عبد الملك الجويني
183
نهاية المطلب في دراية المذهب
صوباً ، وأبطلنا حبسه في الموضع الذي يُغرَّب إليه ، وهو مارٌّ على وجهه ، فلا يكاد يظهر أثر التغريب ، ولا يكاد [ يظهر ] ( 1 ) - والحالة هذه - إلا إظهار التغريب والإرهاق ( 2 ) إليه . وقد قال الأصحاب : لو كان بينه وبين وطنه مرحلتان لا نغرّبه إلى وطنه ؛ فإن هذا ضد التغريب ، ولكن نغرّبه إلى جهة أخرى ، [ فإن غربناه إلى بلدةٍ ، فانتقل إلى وطنه ] ( 3 ) فهذا موضع وقوف الناظر ، ولا وجه إلا ما ذكرناه ( 4 ) ، وإن كان يؤدي إلى تغربه من الوطن سنة ووجهه إلى الوطن ( 5 ) . 11049 - وفيما يعترض في الفكر أن المُغرَّب لو عاد إلى مكان التغريب قبل انقضاء السنة ومكث مدة من حيث لا يُشعر به ، فإذا اطلع الوالي عليه غربه ، وفي بطلان ما مضى من زمان التغريب قبل العود نظرٌ للمفكر ؛ فإن الغرض الأظهر من التغريب الإيحاش بالغربة ، وهذا إنما يحصل إذا تواصل الإيحاش والتغرب ، يحققه أن الجلاد لو جلد الزاني مائة جلدة في عشرة أيام ، لم يُعتدّ بما تقدم من الجلدات ؛ فإن الإيلام الحاصل بالمائة المتواترة لا يحصل إذا فرقت الجلدات ، وتخللت الفترات المريحة ، وسنذكر هذا عند ذكرنا كيفية الجلد ونعت السياط ، إن شاء الله . والمسألة في التغريب محتملة على الجملة ( 6 ) ، والعلم عند الله تعالى ، وقد نجز بيان حد الأبكار إذا زنَوْا على الجملة ، وستأتي مسائل على ترتيب الكتاب ، إن شاء الله عز وجل .
--> ( 1 ) زيادة من المحقق اقتضاها السياق . ( 2 ) الإرهاق إليه : أي الحمل عليه والإزعاج به ، عن محل الفاحشة ، كما عبر بذلك في البسيط . ( 3 ) زيادة اقتضاها السياق ، وهي من الوسيط للغزالي ، ثم هي في هامش نسخة الأصل ، منسوبة للوسيط ، وليست لحقاً . ( ر . الوسيط : 6 / 438 ) . ( 4 ) الأصح أنه يمنع من الانتقال إلى وطنه . ( ر . الروضة : 10 / 89 ) . ( 5 ) العبارة هنا فيها نوع قلق ، مع اتفاق النسختين فيها ، ولذا كان من المناسب أن نشدّ عضدها بعبارة الغزالي ، قال : " الغريب إذا زنا أزعجناه ، وإن كان هذه البلدة كسائر البلاد ، ولكن الغرض التنكيل بالإزعاج عن محل الفاحشة ، وقد يألف الغريب بقعة . فلو كان إلى وطنه مرحلتان ، فلا نغرّبه إلى وطنه ؛ لأنه ضد التغريب ، فإذا غربناه إلى بلدةٍ ، فلو انتقل إلى بلده هل يمنع ؟ هذا فيه نظر ، والظاهر أنه لا يمنع " . ( ر . البسيط : 5 / ورقة : 117 يمين ) . ( 6 ) قال الرافعي : " الأشبه أنه يستأنف " ( ر . الشرح الكبير : 11 / 137 ) .